قصة الطاحونة المسحورة: أسطورة مغربية من التراث الشعبي عن القناعة والطمع
سحر الحكاية المغربية
لطالما كانت الحكايات الشعبية المغربية هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الصغار والكبار قيم الحياة. "الطاحونة المسحورة" ليست مجرد خرافة، بل هي مرآة تعكس الصراع الأزلي بين "النية" و"الغدر"، وبين القناعة التي تملأ القلب والطمع الذي يهلك صاحبه. في هذا المقال، نعيد إحياء واحدة من أجمل قصص زمان بلسان دارجتنا المغربية "المنغومة".
قصة الطاحونة المسحورة: سر النية ورزق الغفلة
بداية الحكاية: الدوار الحزين وحال حمادي
كان يا ما كان، في قديم الزمان، وفي واحد الدوار بعيد مخبي بين الجبال الخضرة، كان عايش واحد الراجل سميتو "حمادي". حمادي كان مسكين على قد الحال، "النية" هي راسم مالو، والصدق هو عنوانو. كان عايش في كوخ صغير، والسقف ديالو كيقطر في الشتا، ولكن قلبو كان عامر بالرضى.
في المقابل، كان خوه الكبير "عبد القادر" هو أغنى واحد في الدوار. كان عندو لبلاد والبهائم والخدامة، ولكن قلبو كان قاصح بحال الحجر، والطمع عامي ليه البصيرة. عبد القادر ما كانش كيعرف الرحمة، وحتى خوه حمادي ما كانش كيعاونو، وكان كيقول ليه: كل واحد يضرب على راسو، الرزق كيبغي الشطارة ماشي الدروشة.
ليلة البرد والجوع: الخروج للمجهول
واحد الليلة من ليالي البرد القارس، حمادي لقا راسو ما عندو حتى كسرة خبز يسد بها جوعو هو ومراتو "زهرة" ووليداتو الصغار. الدراري بقاو كيبكيو بالجوع، والظلام كان مخيم على الدوار. حمادي ما قدرش يشوف ولادو كيدبلوا قدام عينيه، لبس جلايتو المقطعة وهز عصاه، وقال: يا ربي، أنا توكلت عليك، رزقك واسع وما غتخيبنيش.
خرج حمادي في الغابة، والريح كتصفر، والذئاب كتعوي من بعيد. كان كيقلب على شوية د الحطب يبيعو ولا شي حاجة ياكلوها. وفجأة، بان ليه واحد الضو خفيف جاي من بين الشجر. تبع الضو حتى وصل لواحد المغارة قديمة، لقا فيها واحد الشيخ كبير، لحيتو بيضا كتوصل للصدر، ولابس لباس غريب كيبان بحال إلا جاي من زمان آخر.
اللقاء مع الشيخ والهدية العجيبة
حمادي خاف في الأول، ولكن الشيخ شاف فيه بشوفة حنينة وقال ليه: قرب يا حمادي، النية ديالك هي اللي جابتك لهنا. عارف بلي محتاج وعارف بلي قلبك بيض.
الشيخ مد يديه لواحد القنت في المغارة وجبد واحد الطاحونة د اليد (رحى) صغيرة، مصنوعة من حجر غريب كيلمع بحال الرخام.
قال ليه الشيخ: "هاك هادي يا وليدي، هادي ماشي طاحونة عادية، هادي الطاحونة المسحورة. فاش تبغي شي حاجة، حطها وقول ليها طحني يا طاحونة بصوت مسموع، جيبي لي (وسمي الحاجة اللي بغيتي)، وفاش تبغيها تحبس، ضرب عليها بيدك وقول 'بركة يا طاحونة، الخير موجود'". حمادي شكر الشيخ وباس ليه راسو، ورجع كيجري لدارو وهو ما مآمنش بلي هاد الحجرة الصغيرة غتغير حياتو.
المعجزة في دار حمادي: من الفقر للغنى
وصل حمادي للدار، عيط على زهرة وقال ليها: "شوفي الرزق اللي جاب الله". حط الطاحونة في وسط البيت، وقال ليها بكلمات واثقة: "طحني يا طاحونة بصوت مسموع، جيبي لينا الدقيق والزيت واللحم".
وفي رمشة عين، بدات الطاحونة كتدور بوحدها، وكيخرج منها الدقيق ممتاز، وزيت العود الصافية، واللحم طري. زهرة بقات كتشوف وفمها محلول.
من داك النهار، تبدلت أحوال حمادي. ولات الدار عامرة بالخير، لبس ولادو أحسن لبس، وبنى دار كبيرة، ولكن ما نساش أصلو. كان كيطحن الخير ويفرقو على المساكين واليتامى في الدوار. صيت "الطاحونة المسحورة" وصل لكل مكان، وناس بدات كتهضر على "البركة" اللي نزلت على حمادي.
حسد الإخوة: نار الطمع في قلب عبد القادر
عبد القادر، الخو الغني، ما قدرش يزرد هاد الشي. كيفاش خوه "الدرويش" يولي أغنى منو؟ الحسد والحقد بداو كياكلو في قلبو. قرر يراقب خوه حتى يعرف السر. واحد الليلة، تخبى عبد القادر ورا الشرجم ديال دار حمادي، وشاف كلشي بعينيه. شاف حمادي وهو كيقول الكلمات للطاحونة، وشافها وهي كتخرج الذهب والجوهر هاد المرة.
قال عبد القادر في نفسو: هاد الطاحونة لازم تكون ديالي، حمادي ما يستاهلهاش، هو كيعطي الرزق للبراني، أنا اللي غنعرف نكبر بها الثروة ديالي. الشياطين لعبت بعقلو، وقرر يسرقها في نص الليل.
عملية السرقة والهروب نحو البحر
فاش نعس حمادي وعائلتو، تسلل عبد القادر بحال الحرامي، وهز الطاحونة وهرب. كان خايف حمادي يفيق ويحصله، فقرر يغادر الدوار كاع. مشى للمرسى (الميناء) وركب في واحد السفينة كانت غادية لبلاد بعيدة. كان كيقول: تما غنولي ملك، غنطحن الذهب والحرير ونعيش كيف بغيت.
وهو في وسط البحر، حس بالوع (الجوع). تفكر بلي نسى ما جابش معاه الملح للسفر. قال مع راسو: هادي هي الفرصة نجرب فيها هاد العجب". حط الطاحونة على سطح السفينة وقال ليها: طحني يا طاحونة بصوت مسموع، جيبي لي الملح حتى يشبع الجوع.
الورطة الكبيرة: فاش السحر كينقلب على الساحر
بدات الطاحونة كتدور بقوة، والملح كيخرج منها بحال الشلال. الملح بدا كيعمر السفينة، وعبد القادر فرحان وكيضحك. ولكن، الملح زاد وزاد حتى وصل للركابي. عبد القادر خاف وبدا كيغوت: صافي حبسي! بركة!، ولكن الطاحونة ما حبساتش. هو نسا بلي حمادي كان كيضرب عليها بيده ويقول كلمات محددة باش تحبس (بركة يا طاحونة، الخير موجود).
عبد القادر بقى كيحاول يحبسها بكل جهدو، ولكن والو. الملح غطى السفينة كاملة، والتقل خلى السفينة تبدا كتغرق. البحارة بداو كيغوتو، والموج كان عالي. وفي لحظة غفلة، مالت السفينة وطاحت الطاحونة المسحورة في قاع البحر، وجرت معاها عبد القادر اللي كان شاد فيها بطمعو.
نهاية الأسطورة: علاش البحر مالح؟
كتقول الأسطورة الشعبية بلي الطاحونة المسحورة باقة لحد الساعة في قاع البحر، وباقة كتدور وكتخرج الملح بلا توقف، حيت ما كاينش اللي يقول ليها الكلمة السحرية باش تحبس. ومن داك النهار، ولات مياه البحار والمحيطات مالحة، وبقات حكاية عبد القادر عبرة لكل واحد بغا يدي حق غيرو بالطمع والغدر.
أما حمادي، فاش فاق ولقى الطاحونة مشات، ما حزنش بزاف. قال: "اللي جابها يجيب غيرها، والرزق اللي فيه البركة كيبقا". وبفضل ديك "النية" الصافية، بقاو ولادو وأحفادو عايشين في خير وهناء، كيزرعو لبلاد ويوكلو العباد.
