رحلة من البئر إلى عرش مصر: قصة سيدنا يوسف وإخوته ودروس لا تُنسى في الصبر والعفو
لماذا قصة سيدنا يوسف هي أحسن القصص؟
تعتبر قصة سيدنا يوسف عليه السلام من أجمل وأروع القصص التي وردت في القرآن الكريم، حتى أن الله تعالى وصفها بأنها "أحسن القصص". فهي ليست مجرد حكاية قديمة، بل هي مدرسة نتعلم منها كيف يحول الله المحنة إلى منحة، وكيف يكون الصبر مفتاحاً للفرج. في هذه القصة، سيتعلم أطفالنا معنى الوفاء، وكيف نتغلب على مشاعر الغيرة، وأهمية المسامحة التي ترفع شأن الإنسان.
رؤيا يوسف العجيبة وبداية الحكاية
تبدأ قصتنا في فلسطين، حيث كان يعيش نبي الله يعقوب عليه السلام مع أبنائه الاثني عشر. كان يوسف طفلاً جميلاً، نقي القلب، ومحبوباً جداً من والده. في إحدى الليالي، رأى يوسف حلمًا غريباً؛ رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر، جميعهم يسجدون له!
عندما قصَّ يوسف الرؤيا على والده، علم يعقوب بفراسته أن ابنه سيكون له شأن عظيم ونبوة، فحذره قائلاً: "يا بني، لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً". لقد خشي الأب من غيرة الإخوة، فالحسد قد يغوي الإنسان لفعل الشر.
مؤامرة الإخوة: الغيرة تعمي القلوب
للأسف، تسللت الغيرة إلى قلوب إخوة يوسف. كانوا يشعرون أن والدهم يحب يوسف وأخاه بنيامين أكثر منهم. اجتمعوا يوماً وقالوا: "ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة". وبدلاً من أن يحاولوا كسب حب والدهم بالبر والعمل الصالح، فكروا في التخلص من يوسف.
اقترح أحدهم قتله، لكن أرقَّهم قلباً قال: "لا تقتلوه، بل ألقوه في غيابت الجب (البئر)"، لعل قافلة تأخذه بعيداً. وهكذا، أقنعوا والدهم بأن يرسل يوسف معهم للعب، وبمجرد أن ابتعدوا، خلعوا قميصه وألقوه في بئر عميقة ومظلمة.
يوسف في البئر ودموع التماسيح
عاد الإخوة إلى والدهم في المساء وهم يتظاهرون بالبكاء، ومعهم قميص يوسف ملطخاً بدم كذب (دم شاة). قالوا: "يا أبانا، ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب!".
لكن نبي الله يعقوب، بقلبه المؤمن، لم يصدقهم. شعر أن ابنه ما زال حياً، فقال جملته الشهيرة التي خلدها التاريخ: "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون".
من ظلام البئر إلى قصر العزيز
بينما كان يوسف وحيداً في البئر، أرسل الله له قافلة تجارة. أرسلوا واردهم ليجلب الماء، فتعلق يوسف بالدلو. صرخ الرجل فرحاً: "يا بشرى هذا غلام!". أخذوه إلى مصر وباعوه في سوق العبيد، وهناك اشتراه "عزيز مصر" (وزير الخزانة).
أوصى العزيز زوجته بيوسف خيراً، وعاش يوسف في القصر مكرمًا. كبر يوسف وأصبح شاباً قوياً، وسيماً، وحكيماً، وقد آتاه الله العلم والقدرة على تفسير الأحلام.
الامتحان الصعب وصدق الأمانة
تعرض يوسف في القصر لاختبار عظيم، حيث حاولت زوجة العزيز إغواءه، لكنه استعصم بالله وقال: "معاذ الله". فضل يوسف أن يدخل السجن ظلماً على أن يعصي الله. وفي السجن، اشتهر يوسف بين السجناء بأخلاقه العالية ومساعدته للآخرين وتفسيره الصادق للأحلام.
حلم الملك الذي غير القدر
مرت سنوات، ورأى ملك مصر حلمًا أزعجه: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. عجز الكهنة عن تفسيره، فتذكر أحد الناجين من السجن يوسف.
جيء بيوسف من السجن، ففسر الحلم بذكاء: ستمر على مصر سبع سنوات من الخير الوفير، تليها سبع سنوات من القحط والجفاف. واقترح عليهم خطة لادخار الطعام. أُعجب الملك بعقل يوسف وأمانته، فجعله وزيراً للمالية (عزيز مصر).
لقاء الإخوة: هل عرفوا يوسف؟
جاءت سنوات القحط، ووصلت إلى فلسطين. أرسل يعقوب أبناءه إلى مصر لجلب الميرة (الطعام). عندما دخلوا على يوسف، عرفهم فوراً، لكنهم لم يعرفوه؛ فقد أصبح رجلاً مهاباً بزي الوزراء.
لم ينتقم يوسف منهم، بل أكرمهم، وطلب منهم إحضار أخيهم الصغير (بنيامين) في المرة القادمة. وبعد رحلة طويلة من الأحداث، احتجز يوسف أخاه بنيامين بخطة ذكية ليختبر إخوته: هل سيتخلون عنه كما تخلوا عن يوسف؟
لحظة المكاشفة: قوة العفو عند المقدرة
عندما رأى يوسف إخوته نادمين حقاً، قال لهم: "أنا يوسف وهذا أخي!". صدم الإخوة وخافوا من عقابه، لكن يوسف، الذي يحمل قلباً كقلب الأنبياء، قال لهم: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين".
طلب منهم أن يأخذوا قميصه ويلقوه على وجه والدهم ليرتد إليه بصره، وأن يأتوا بأهلهم أجمعين إلى مصر.
نهاية سعيدة ولقاء الأحبة
وصل يعقوب وأبناؤه إلى مصر، وخروا جميعاً سجداً ليوسف (سجود تحية كان جائزاً وقتها). حينها قال يوسف لوالده: "يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً".
عاش الجميع في مصر بسلام، وتعلم الإخوة أن الحسد لا يجلب إلا الشقاء، وأن الصبر والتقوى يرفعان الإنسان إلى أعلى المقامات.
دروس تربوية من القصة للأطفال:
الصبر: الصبر على البلاء يوصل دائماً إلى النجاح (كما صبر يوسف في البئر والسجن).
الأمانة: الصدق والأمانة في العمل (مثلما فعل يوسف في إدارة خزائن مصر).
العفو: المسامحة تجعلنا أقوى وأقرب إلى الله.
الثقة بالله: الله دائماً لديه خطة جميلة لنا، حتى لو بدت الأمور صعبة في البداية.
