📁 جديد القصص

قصة حليمة السعدية والرسول ﷺ ومعجزات الطفولة المباركة : حكاية البركة والخير

قصة حليمة السعدية والرسول ﷺ ومعجزات الطفولة المباركة : حكاية البركة والخير

لماذا نهتم بسيرة النبي في طفولته؟

لطالما كانت السيرة النبوية الشريفة منبعاً لا ينضب من الدروس والعبر، خاصة تلك الفترة التي سبقت البعثة. في قصة حليمة السعدية والرسول، نجد تجسيداً حياً لمعنى البركة وكيف يغير الله حال الإنسان من الشدة إلى الرخاء بفضل القرب من الحبيب المصطفى. هذه القصة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي درس في اليقين، والرحمة، ورعاية الله لأوليائه.

رحلة البحث عن البركة في عام القحط

تبدأ قصتنا في قلب بادية بني سعد، حيث كان الجفاف يضرب الأرض بقسوة. كانت السماء قد شحت بمطرها، والأرض قد بخلت بنباتها، حتى أصبحت الحيوانات هزيلة لا تقوى على السير. وفي وسط هذا الضيق، كانت حليمة السعدية تعيش مع زوجها الحارث وطفلها الصغير الذي لا يتوقف عن البكاء من شدة الجوع، فصدرها لم يعد فيه لبن يرويه.

قررت حليمة، مع مجموعة من نساء قبيلتها، التوجه إلى مكة المكرمة. لم يكن الهدف مجرد التنزه، بل كان الهدف هو الارتضاع، وهي عادة عند العرب قديماً بأن ترضع نساء البادية أطفال مكة ليشبوا أقوياء في هواء الصحراء النقي، ومقابل ذلك تحصل المرضعات على عطايا من أهل مكة.

المعاناة في الطريق إلى مكة

كانت حليمة تركب أتانًا (أنثى الحمار) ضعيفة جداً، وكانت من شدة هزالها تتأخر عن الركب، حتى أن صديقاتها كن ينادينها: يا حليمة، أسرعي بنا!. ومعهم شارف (ناقة مسنة) لا تقطر بقطرة لبن واحدة. كان الجوع ينهش الجميع، لكن الأمل في "عطية مكة" كان يحركهم. لم تكن حليمة تعلم أن القدر يخبئ لها عطاءً لا يشبه أي عطاء آخر، وأنها على موعد مع تغيير مجرى حياتها وحياة البشرية جمعاء.

لقاء اليتيم المبارك: اللحظة الحاسمة

عندما وصلت المرضعات إلى مكة، عُرض عليهن طفل يتيم توفي والده قبل ولادته، وهو محمد بن عبد الله. كانت كل مرضعة ترفضه قائلة: إنه يتيم! ماذا عسى أن تصنع أمه وجده لنا؟ نحن نرجو المعروف من والد الطفل.

تسابقت المرضعات على الأطفال الذين يمتلك آباؤهم المال والجاه، وبقيت حليمة السعدية لم تجد طفلاً تأخذه، إذ لم ترغب في العودة بيد فارغة. قالت لزوجها: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، سأذهب إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. وبمجرد أن حملته بين ذراعيها، بدأت المعجزات.

معجزة الحليب والارتواء الفوري

ما إن وضعت حليمة النبي ﷺ في حجرها، حتى شعرت بدفء غريب يسري في عسدها. فجأة، امتلأ ثديها باللبن بفضل الله، فشرب محمد ﷺ حتى روي، وشرب أخوه (ابن حليمة) حتى شبع، ونام الطفلان بسلام بعد ليالٍ طويلة من السهر والجوع.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقام زوجها الحارث إلى ناقتهما العجوز، فإذ بها بقدرة الله قد امتلأ ضرعها باللبن! فاحتلب منها وشربا حتى ارتويا، فقال الحارث بذهول: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذتِ نسمة مباركة!.

الطريق إلى البادية: الحمارة التي سبقت الجميع

في رحلة العودة، حدث ما لم يصدقه العقل. الأتان الضعيفة التي كانت تتأخر عن الركب، انطلقت بسرعة البرق حتى سبقت كل القافلة! تعجبت النساء وسألنها: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أهذه هي أتانك التي خرجتِ عليها؟. كانت حليمة تبتسم وهي تضم الصغير المبارك إلى صدرها وتقول: نعم، والله إنها لهي. لقد حلت البركة في كل شيء يلمسه هذا الطفل.

خمس سنوات من الخير الوفير في بني سعد

عاش النبي ﷺ في ديار بني سعد، وتحولت حياتهم تماماً. كانت أغنام حليمة تذهب إلى المرعى الجدب، فتعود في المساء شباعاً ممتلئة باللبن، بينما تعود أغنام الآخرين جائعة لا لبن فيها. كان الناس يقولون لرعاتهم: ارْعَوْا حيث يرعى راعي بنت أبي ذؤيب، لكن السر لم يكن في المكان، بل في البركة التي تمشي على الأرض.

شبّ محمد ﷺ شباباً لا يشبه بقية الأطفال؛ فكان ينمو في اليوم ما ينموه غيره في شهر، وبدا عليه الوقار والجمال والقوة منذ صغره، وكان محبوباً من الجميع، يملأ البيت بهجة وسروراً.

حادثة شق الصدر: الحماية الإلهية

عندما بلغ النبي ﷺ الرابعة أو الخامسة من عمره، وقعت حادثة عظيمة أرعبت حليمة وزوجها لكنها كانت إعلاناً عن نبوته. بينما كان يلعب مع الغلمان، أتاه جبريل عليه السلام، فأخذه وصرعه، ثم شق عن قلبه، فاستخرج منه علقة سوداء وقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه.

جاء الغلمان يركضون إلى حليمة وهم يصرخون: إن محمداً قد قُتل!.

هرعت حليمة وزوجها إليه، فوجداه واقفاً منتقع اللون (متغير اللون من هول الموقف). هذه الحادثة كانت تطهيراً ربانياً لقلب المصطفى ﷺ ليكون وعاءً وحياً نقياً.

الوداع المؤثر والعودة إلى مكة

بعد حادثة شق الصدر، خشيت حليمة على محمد ﷺ وقررت إعادته إلى أمه آمنة بنت وهب، رغم أنها كانت تتمنى بقاءه معها للأبد لما رأت من خيره. سلمته إلى أمه وهي تشعر بغصة الفراق، وأخبرتها بما حدث. طمأنتها آمنة قائلة: أتخوفتِ عليه من الشيطان؟ كلا والله، ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني هذا لشأناً عظيماً.

الدروس المستفادة من قصة حليمة السعدية

قيمة الرضا واليقين: حليمة قبلت بالطفل اليتيم الذي رفضه الجميع، فكافأها الله بالبركة التي لم يحصل عليها غيرها.

البركة جند من جنود الله: عندما يبارك الله في القليل، فإنه يصبح أكثر من الكثير (اللبن، الغنم، سرعة الدابة).

رعاية الله للأيتام: كيف حمى الله نبيه اليتيم وسخر له القلوب القاسية لتلين له.

النظافة الباطنية: حادثة شق الصدر تعلمنا أن طهارة القلب هي أساس القرب من الله.

خاتمة القصة

وهكذا انتهت رحلة حليمة السعدية مع النسمة المباركة، لكن ذكراها ظلت محفورة في تاريخ الإسلام كأول مرضعة ذاقت طعم المعجزات النبوية. لقد علمتنا هذه القصة أن العطاء الحقيقي ليس في المال والجاه، بل في القرب من رسول الله ﷺ واتباع أثره.